أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
151
شرح مقامات الحريري
الليث : تقول العرب : حمامة ذكر ، وحمامة أنثى ، والجميع الحمام . الشافعي : كلّ ما عبّ وهدر فهو حمام ، يدخل فيه القماري والوراشين ؛ سواء كانت مطوّقة أو غير مطوّقة ، آلفة أو وحشية ، وهذا القول كأنّه الأكثر لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بأخذ الحمام التي تستفرخ في البيوت ، وليست ذوات أطواق ، وكان يسمّيها حماما ، وكان في منزله حمام أحمر ، اسمه وردان ، وقد قدّمنا فصلا في الحمام في الصدر . مخرق الرجل : أوهم أنه على حق وصواب ، وهو على خلافه . [ قصة مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية ] وأورد هنا في شرح تزويج مسيلمة بسجاح ما يبيّن سخف نبوتهما ، وإن كان الحريري قد أشار إلى ذلك في هذه المقامة . كان مسيلمة بن حبيب الحنفيّ ، ثم أحد بني الدّبل ، قد تسمّى بالرحمن في الجاهلية ، وكان من المعمّرين . ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمّى بالرحمن قبل أن يولد عبد اللّه أبو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولمّا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانت قريش تقول : إنّما يعلّم محمدا رجل يقال له الرحمن ، فنزلت وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ [ الرعد : 30 ] وكانت بنو تميم قد تخاذلت في أمر الرّدة بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم واختلفوا في ذلك اختلافا شديدا ، فبينما هم على ذلك إذ فاجأتهم سجاح بنت الحارث مقبلة من الجزيرة ، تقود بني ربيعة . فأتاهم أمر كان أعظم ممّا هم فيه من الاختلاف ، وكانت سجاح تميميّة وبنو أبيها في تغلب ، وادّعت النبوّة بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم في الجزيرة ، فاجتمعت عليها بنو تميم ورؤساء تغلب ، فادّعت أنّها أنزل عليها . « يا أيّها المؤمنون المتقون ، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، ولكنّ قريشا قوم يبغون » . فاجتمعت تميم كلها تنصرها ، فكان فيهم الأحنف وحارثة بن بدر ووجوه بني تميم ، وكان مؤدّبها شبيب بن ربعيّ الرياحيّ ، فقالت : « أعدّوا الركاب ، واستعدوا للنّهاب ، ثم اغدوا على الرّباب ، فليس من دونهم حجاب » . فصمدت إليهم ، وقتلت فيهم قتلا كثيرا ، ثم قالت لأجنادها : اقصدوا اليمامة ، فقيل لها إن شوكة أهل اليمامة قويّة شديدة وقد غلظ أمر مسيلمة ، فقالت : « يا معاشر تميم ، اقصدوا اليمامة ، فاضربوا فيها كل هامة ، وأضرموا نارا ملهامة ، حتى تتركوها سوداء كالحمامة » ، وإنّ اللّه تعالى لم يجعل هذا الأمر في ربيعة - تعني نبوّة مسيلمة - وإنما جعلها في مضر ، واقصدوا هذا الجمع ، فإذا قصدتموه عكّرتم على قريش . فسارت في قومها ، وهم عدد لا يحصى ، وبلغ مسيلمة الخبر ، فضاق به ذرعا ، وتحصّن في حجر حصن اليمامة ، وأحاطت به جيوشها ، فأرسل في وجوه قومه ، وقال : ما ترون ؟ قالوا : نسلّم هذا الأمر لها ، فإن لم نفعل فهو البوار . فقال لهم بدهائه :